لمحــــة تاريخيــــة

 

ليست الجمارك من مبتكرات العصر الحاضر، فهي ظاهرة قديمة ترتبط نشأتها بنشأة المجموعات المنظمة وقد عرفتها الدول جميعاً ولجأت اليها في مختلف العصور، ولكنها كانت لغير الغاية، وعلى غير الوجه الذي نراها فيه اليوم.

فالمصريون القدماء فرضوا عقوبة جمركية، لمنع تسرب النبيذ والمنسوجات إلى مصر.

وفي اليونان، كانت الرسوم تفرض على البضائع المستوردة لحماية المصنوعات الوطنية.

وفي ايام الرومان، فرضت الرسوم لأول مرة ايام سرفيوس توليوس، إلاّ أنها أُلغيت وأُعيد فرضها مراراً إلى ان أقرّها يوليوس قيصر نهائياً وطبّقها في انحاء الامبراطورية الرومانية .

وكان الاشتراع الروماني، ساري المفعول في فرنسا. وكانت الرسوم لا تستوفى على البضائع التي تدخل فرنسا فحسب، بل على جميع البضائع التي تنقل من مقاطعة إلى اخرى. وكان الاقطاعيون يستوفون هذه الرسوم لمصلحتهم الخاصة، إلى ان وحّد "كولبير" التعريفة الجمركية في جميع انحاء فرنسا وفرضها على البضائع التي تعبر الحدود الخارجية فقط .

وقد عرف العرب الرسوم الجمركية بشكل "عشور" أو "مكوس" تُستوفى على السلع التي تمر من ولاية إلى اخرى. وأول من فرضها على البضائع الواردة كان الخليفة عمر بن الخطاب فسرت قاعدة التعشير اذ كان يؤخذ من البضائع عشرها فسميت العشور.

ثمّ الغيت المكوس أيام خلافة عمر بن عبد العزيز، إلاّ أنه أُعيد فرضها مجدداً على يد أبي جعفر المنصور واستمر نظام العشور في عهد العباسيين، وفي عهد الدولة الطولونية والاخشيدية والفاطمية والايوبية وعهد المماليك، إلى أن جاءت الدولة العثمانية وظهرت الامتيازات الاجنبية وحقّ الاجانب في التجارة داخل الامبراطورية العثمانية، وكانت الامتيازات منحة من السلطان مجحفة بالاتراك والمصريين إلى أن تمّ  عقد المعاهدة الفرنسية العثمانية عام 1740.

أمّا في لبنان، فقد عرف التشريع الجمركي مراحل ثلاث:

أولاً: المرحلة العثمانية

كانت جميع الولايات الخاضعة للسلطنة العثمانية تتبع رسوماً جمركية واحدة، غير ان التشريع كان مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بامتيازات اجنبية اقتصادية، مالية، قضائية وقنصلية استثنائية منحها العثمانيون لاغلب الدول الاوروبية.

كان التشريع العثماني يتألف من انظمة اهمها:

  • نظام نيسان 1863 أصدرته الدولة العثمانية وأبلغته الدول الاجنبية
  • نظام تشرين الثاني 1892 والذي رفضته الدول الاوروبية، وبقي رعاياها خاضعين لنظام 1863.

وكانت الجمارك مؤلفة من مديرية عامة مركزها في القسطنطينية ومديريات اقليمية في المدن الكبرى.

ثانياً: مرحلة الانتداب

لقد كان من نتائج الحرب العالمية الاولى، تفكك الامبراطورية العثمانية ومنح فرنسا الانتداب على لبنان وسوريا, واعلان دولة لبنان الكبير في حدوده الحالية واقامة الاتحاد الجمركي بينهما وابقاء الانظمة العثمانية نافذة.

فبعد "زوال" السلطنة العثمانية وعلى إثر إعلان دولة لبنان الكبير في العام 1920، أعيد تنظيم دائرة الجمارك في سوريا ولبنان بموجب قرار للمفوض السامي وتولي شؤون هذه الدائرة مأمور من الجمارك الفرنساوية لُقّب بمدير المراقبة الجمركية في سوريا ولبنان، وكان تحت سلطته مدير للجمارك مقيم في بيروت.

وفي أواخر العام 1921، أعيد أيضاً تنظيم الجمارك في سوريا ولبنان بموجب قرار جديد للمفوض السامي بحيث تمّ  تأليف المفتشية العامة للجمارك، وتولّى إدارتها مأمور من الجمارك الفرنساوية يقوم بوظيفة مفتش عام ويخضع لسلطة مدير المالية.

وفي العام 1942، تمّ  تنظيم ادارة الجمارك في دول الشرق (سوريا ولبنان) تنظيماً جديداً بموجب قرار للمندوب العام المفوض بحيث أصبحت ادارة الجمارك في الشرق "سوريا ولبنان" تشتمل على مفتشية عامة للمراقبة الجمركية ومديرية وطنية، يدير هذه المفتشية مأمور من الجمارك الفرنساوية برتبة مدير وهو يمارس وظيفة مفتش عام كما يدير المديرية الوطنية مدير وطني مركزه بيروت.

ثالثاً: مرحلة الاستقلال

عام 1943، أصبحت الجمارك مصلحة في لبنان وسوريا تدار من قبل مديرية عامة واحدة تحت رقابة المجلس الاعلى للمصالح المشتركة.

وبعد استقلال لبنان وفي بداية العام 1944، تمّ  تسليم إدارة الجمارك العامة إلى دولتي سوريا ولبنان وصدر على إثرها المرسوم الاشتراعي رقم 1 الذي قضى بتعيين صلاحيات المجلس الاعلى للمصالح المشتركة بحيث نصّ على تناوله : مصلحة الجمارك، مراقبة الشركات ذات الامتياز، مراقبة إدارة حصر الدخان. وتجدر الإشارة، إنّ المجلس المذكور تولّى إدارة هذه المصالح المشتركة وكان يتمتع بالشخصية المعنوية ويزاول عمله ستة أشهر في بيروت وستة أشهر في دمشق. وكان هذا المجلس يمارس الصلاحيات المتعلقة باعداد التشريع واقرار التنظيم اللازم لمختلف الدوائر في المصالح المشتركة، وكذلك إدارة جميع المصالح المشتركة والاشراف عليها، وتعيين وعزل الموظفين، والقيام بجميع الاعمال المتصلة بالمصالح المشتركة التي كان يمارسها المفوض السامي والسكريتير العام للمفوضية العليا.

وفي نهاية العام 1944، أُعيد تنظيم ادارة الجمارك في سوريا ولبنان بموجب قرار المجلس الاعلى للمصالح المشتركة بحيث أصبحت تقوم على رأس الادارة مديرية عامة مركزها في بيروت يتولاها مدير عام سوري أو لبناني يُعيّن بقرار من المجلس الأعلى ويكون خاضعاً لسلطته. كما نصّ القرار على انتقال الصلاحيات التي كان يضطلع بها المفتش العام للجمارك والمدير الوطني إلى المدير العام للجمارك.

وفي العام 1946، تمّ  تنظيم وزارة المالية بموجب الرسوم الاشتراعي 5279/1946 بحيث تألفت من مديريات أربعة وأُلحقت بالوزارة الهيئة اللبنانية في المجلس الاعلى للمصالح المشتركة إلى أن حصل الانفصال الجمركي عام 1950.

وفي العام 1950، أنشئت إدارة خاصة للدوائر الجمركية بموجب المرسوم الاشتراعي رقم 2/1950 يتولى إدارتها مجلس يدعى "المجلس الاعلى للجمارك" مؤلف من رئيس وعضوين يُعيّنون بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء، وترتبط هذه الادارة بوزير المالية كما يتولى المجلس الاعلى إعداد التشريع واعداد مشاريع الاتفاقات التجارية وإعداد التنظيم اللازم.

كما نص المرسوم الاشتراعي المذكور على أن يُعيّن مدير الجمارك العام ويعزل بموجب مرسوم يتخذ في مجلس الوزراء بناءً على انهاء المجلس الاعلى واقتراح وزير المالية.

وتطبيقاً للمرسوم الاشتراعي المذكور صدر المرسوم التنظيمي رقم 1560/1950 المتعلق بتنظيم دوائر المجلس الاعلى للجمارك بحيث تألفت الادارة المركزية للمجلس الاعلى للجمارك من دوائر ثلاث. كما صدر المرسوم رقم 1561/1950 المتعلق بتنظيم إدارة الجمارك اللبنانية بحيث تألّفت من مديرية عامة مرتبطة بالمجلس الاعلى للجمارك، ومن دوائر تنفيذية مرتبطة بالمديرية العامة، إذ يكون على رأس المديرية العامة مدير عام يؤخذ من ملاك موظفي الجمارك.

وفي العام 1953، أُعيد تنظيم وزارة المالية بموجب المرسوم الاشتراعي رقم 43/1953 بحيث أصبحت إدارة الجمارك إحدى الوحدات أو الاقسام الإدارية  التي تتألف منها وزارة المالية.

وهنا تجدر الاشارة إلى أنّ المجلس الاعلى للجمارك فقد الشخصية المعنوية المستقلة، وأصبحت إدارة الجمارك إحدى الوحدات الإدارية  التابعة لوزارة المالية.

وعلى إثر ذلك وبغية الابقاء على الهيئة اللبنانية التي كان يتألف منها المجلس الاعلى، استُحدث ملاك خاص بالموظفين الدائمين الذين يؤلّفون هيئة المجلس الاعلى للجمارك اللبنانية بموجب المرسوم الاشتراعي رقم 73/1953 وحدد برئيس وعضوين برتبة مدير عام.

أما تنظيم الجمارك بشكلها الحالي فيعود إلى العام 1959، فبموجب المرسوم الاشتراعي رقم 123 تاريخ 12/6/1959 أصبح المجلس الاعلى للجمارك يقتصر على هيئة مرتبطة بوزير المالية تشرف وتراقب الادارة، وأصبحت المديرية العامة للجمارك الجهاز الاداري التنفيذي الوحيد المكلّف باستيفاء الرسوم ومراقبة الحدود. وبموجب المرسوم 2868 تاريخ 16/12/1959 تمّ  تنظيم هذه الادارة بشكلها الحالي، وكذلك وبموجب المرسوم 1802 تاريخ 27/2/1979 تمّ  تنظيم الضابطة الجمركية كقوة عامة مسلحة في الجمارك.

وفي العام 2000 صدر قانون الجمارك بحيث حددت المادة الاولى المهام التي تتولاها ادارة الجمارك  مما يفيد بوضوح بأن الادارة أصبحت تتولى فقط المهام التنفيذية أي الاستيفاء والحؤول دون إدخال البضائع إلى لبنان أو تصديرها منه بصورة مخالفة للقانون.